الجاحظ

36

كتاب البغال

فولّيت مفلولا وطابقت مذعنا * كما طابقت للبغل يوما حلائله قال : وقدّموا إلى سليمان بن عبد الملك جديا سمينا ، فقال لأبي السّرايا - وكان من مجانين الأعراب - كل من شحم كليته ، فإنه يزيد في الدّماغ . قال : لو كان الأكل من كلي الجدي يزيد في الدّماغ ، كان رأس الأمير أعظم من رأس البغل ! . وإنما قال « الأمير » ، لأن سليمان كان يومئذ وليّ عهد . وقد غلط من زعم أنّهم كانوا وضعوا قدّام سليمان جديا ، وإنما كان يأكل ملوكهم الحملان ، لأنّها هناك أطيب ويسمّونها : « العماريس » . ولمّا قدم عبد الملك بالكوفة ، وضعوا بين يديه جديا ، قال : فهلا جعلتموه عمروسا ؟ قالوا : يا أمير المؤمنين ، تلك عماريس الشام ؛ فأمّا العراق فجداؤها أطيب وأكرم . وتفاخر ناس بكبر الأيور ، وشيخ جالس لا يخوض معهم ؛ فلما أكثروا قال الشيخ : لو كان كبر الأيور مجدا كان البغل من بني هاشم ! . وشهد مزبّد المديني عند قاضي المدينة بشهادة ؛ وكان ذلك القاضي مفرط الحدّة ، شديد البطش ، سريع الطّيرة ، فقال له القاضي : أعليّ تجترئ وعندي تشهد ؟ ! جرّا برجليه وألقياه تحت البغلة ! فلما أمعنا به نحو البغلة ، التفت إلى القاضي فقال : أصلحك اللّه ، كيف خلقها ؟ فضحك وخلّى سبيله . وكان نميلة بن عكّاشة النّميري متكايسا ؛ فدخل دار بلال بن أبي